السيد هاشم البحراني
374
حلية الأبرار
الأعاليل ، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ فقالوا : بلى يا أمير المؤمنين . فقال عليه السلام : وأما الخامسة يا أخا اليهود فإن المتابعين لي لما لم يطعموا في تلك منى وثبوا بالمرأة على ، وأنا ولى أمرها والوصي عليها ، فحملوها على الجمل وشدوها على الرجال ، وأقبلوا بها تخبط ( 1 ) الفيافي وتقطع البراري وتنبح عليها كلاب الحوأب ( 2 ) ، وتظهر لهم علامات الندم في كل ساعة وعند كل حال ، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأولى في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى أتت أهل بلدة ، قصيرة أيديهم ، طويلة لحاهم ، قليلة عقولهم ، عذبة آراؤهم ، وهم جيران بدو ، ووراد بحر ، فأخرجتهم ، يخبطون بسيوفهم من غير علم ، ويرمون بسهامهم بغير فهم ، فوقفت من أمرهم على اثنتين ، كلتاهما في محلة المكروه ممن إن كففت لم يرجع ولم يعقل ، وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي ( 3 ) كرهت . فقدمت الحجة بالاعذار والانذار ، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها ، والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي ، والترك لنقضهم عهد الله عز وجل في ، وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه ، وناظرت بعضهم فرجع وذكرت فذكر ، ثم أقبلت على الناس بمثل ذلك ، فلم يزدادوا إلا جهلا وتماديا وغيا ، فلما أبوا إلا هي ، ركبتها منهم ، فكانت عليهم الدبرة ( 4 ) ، وبهم الهزيمة ، ولهم الحسرة ، وفيهم الفناء والقتل ، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدا ، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخرا مثل الذي وسعني منه أولا من الاعطاء والامساك ، ورأيتني إن أمسكت كنت معينا لهم على بإمساكي على ما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الأطراف ، وسفك الدماء ، وقتل الرعية ، وتحكيم النساء
--> 1 ) خبط البعير الأرض : ضربها ، ويقال : خبطه أي ضربه ضربا شديدا والفيافي : جمع الفيفاء وهي المفازة لا ماء فيها . 2 ) الحواب ( بفتح الأول وسكون الثاني والهمزة المفتوحة ) : موضع في طريق البصرة . 3 ) في الاختصاص : إلى الذي كرهت . 4 ) الدبرة ( بالتحريك ) : الهزيمة ، وفى بعض النسخ : " عليهم الدائرة " .